أزعم- والزعم علامة الكذب- أنني قرأت كثيراً في رحلتي، حتى خلت أنني قادر على التحليل والفهم،
وكنت كلما سنحت لي الفرصة حضرت محاضرة لأخرج بعدها لا ألوي على شيء، ولا أجد حافزاً
لحضور سواها، لكونها احتفظت بمكانة محددة ومفهومات لا تتجاوزها... وعندما عرفت عنوان
(الأسرة في المفهوم الإلهي) تخيلت أنني سأسمع سرداً كما العادة لآيات وأحاديث عن الأسرة ومفهومها،
لكن شخص المحاضر الذي خبرته جيداً جعلني ألغي كل شيء وأتوجه إلى المحاضرة مستعداً للتسمّر
ساعات على كرسي غير مريح... وحين بدأ سماحة المفتي العام الدكتور أحمد بدر الدين حسون محاضرته
عن الأسرة وجدت ذلك العالم الذي يعرف كيف يوجه رسالته ومتى وأين، ووجدت الذي يحترم الحاضر
فلا يطل عليه إلا وقد جهز أوراقه وأفكاره لينثال بعد ذلك من فكرة إلى أخرى دون أن يتوقف لديه هدير
المعرفة والعلم والحق والصواب... وعرفت المهارة في تغيير الدفة من ربان السفينة للوصول إلى شواطئ
لم تصل إليها أقدام من قبل وبذلك كان المستكشف لأغوار نص يعيش معنا، ولكن يعيش غريباً، ونعيش جاهلين له..!
كتب كثيرون عن مفهوم الأسرة، وقرأت وحاولت أن أفهم النص بنفسي، لكن ما تفتق عنه فهم
ورأي سماحة المفتي العام مساء الأحد الماضي لم أعثر عليه لدى أحد متقدماً أو معاصراً، ولم يخطر ببالي وأنا أقف أمام النص،
فكان للأسرة عنده مفهوم إنساني وآخر روحي وثالث عصبي، فترك الأولين عمداً ليتحدث عن الأسرة العصبية من آدم عليه السلام إلى محمد عليه السلام
وفهمت من هذا أن سماحته قدم أسرة عصبية صغيرة لكن المفهوم الروحي كان طاغياً من خلال فكرة الإيمان وفكرة الحب،والمفهوم الإنساني كان غاية،
فالذين تناولهم من الأنبياء والرسل كانوا رسل الإنسانية، وهم ليسوا خاصين بعصب أو أمة...
كنت معجباً بالطريقة التحليلية المنطقية الفلسفية في تحليل الإيمان والأسرة في التشريع الإلهي، وليس الديني،
فالديني يخضع للفهم الإنساني، أما الإلهي فهو الذي يحتفظ بمكانته وطزاجته وقداسته وموضوعيته، وبعده عن التأويل والتفسير والرغائب.
من الشقاء إلى عمل غير صالح إلى المنام والذبح إلى الكواكب إلى هزي إليك بجذع النخلة إلى من تكلني انتقل سماحته من النص الإلهي في التوراة والإنجيل والقرآن
ليحدد مفهوم الأسرة والقرابة وكيفية بناء الأسرة وفي الحاضر يتوقف طويلاً للحديث عن الأسرة وواقعها وتفككها وآليات بناء الأسرة، وتراتبية بناء الأسرة في ضوء الرؤية الإلهية للأسرة..
إن ما طرحه سماحته عن ثقافة الإنسان والأسرة في المنظور الإلهي مهم للغاية، وخطر للغاية، أهميته تأتي من جدته في القراءةوالفهم، وخطورته تتمثل في حاجته إلى درجات من الوعي،
وهو أدرك هذه الخطورة، لذلك توجه بالحديث أكثر من مرة إلى أصحاب العمائم طالباً إزالة العصائب، وتغليب الفهم للمنظور الإلهي على الفهم الضيق الذي ينحصر بالجماعات...
وهنا أدرك أهمية المحاضرة فسماحته يدرك الخطورة ولا ينتشي بالحضور الكثيف، وينتقل من فكرة مدونة إلى أخرى حتى يصل إلى منطقة تحتاج إلى توقف فيقرع جرس الخطر ليرين صمت مريب لا يلبث أن يتحول إلى همهمات فيها إعجاب واكتشاف للنص.
لم أشأ الحديث عن محاضرة لسماحة المفتي العام، وأنا الفخورُ بصداقته، لكن ما سمعته مع الجميع من أفضل ما سمعت في الموضوع، وهو جديد غير مبتذل، ويستحق أن يتم تفريغه في محاضرة توزع على الأسروالمثقفين العلمانيين والمتدينين لما فيها من فهم عميق واع ينتقل بالأسرة تدريجياً من المفهوم العصبي إلى المفهوم الوطني ثم إلى المفهوم الإنساني... محاضرات ما أنزل الله بها من سلطان يوزعها المحسنون مجاناً لتعميم الفائدة،
فهل نرى هذه المحاضرة موزعة مطبوعة وفي المواقع الإلكترونية؟
أظن أن الأمر سيتأخر لأن المحسنين لا يحبون مثل هذه الرؤى، فليس فيها فرقعة أو تشويش أو تفرقة!!
اسماعيل مروة