ليس دفاعاً عن مفتي الجمهورية... وإنما أمانة العلم تقتضي مني أن أسجل هذا البيان.
إن ما افترضه سماحة المفتي في حواره مع الجالية الطلابية الأمريكية –على مختلف رواياته المنشورة والمشاعة بين الناس- لا يعدو أن يكون أسلوباً من الأساليب الكلامية المشروعة، التي تعتمد الاستدلال العقلي منطلقاً نحو إثبات أحقية رسالة الإسلام.
إذ لاشك أن الذين اتبعوا الإسلام ونبيَّه منذ عصر الصحابة إنما اتبعوه لأن عقولهم ساقتهم إلى الإيمان به لا عواطفهم. وقد صرَّح بذلك عدد منهم بما معناه: "ما اتبعناه إلا لأنه ما أمرنا بأمر قال العقل: ليته لم يأمر به، ولا نهانا عن أمر قال العقل: ليته لم ينه عنه".
بل لقد استخدم القرآن الكريم هذا الأسلوب في مثل قوله: )قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ([الزخرف 81]. ومثل قوله تعالى: )وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ([سبأ 24].
ولا ريب أن من يقرأ كتب (علم الحِجَاج) أو (علم الكلام) يدرك مشروعية أي فرضية ما دامت سوف تؤدي إلى الحقيقة في نهاية الأمر. وهذا ما سار عليه جميع المشتغلين بهذه العلوم منذ القرن الثاني الهجري، وإلى يومنا هذا.
وقد حدثنا الإمام الغزالي في كتابه: "فيصل التفرقة.." وفي غيره من مؤلفاته عن فرضيات علمية عميقة، لو أدركناها لما ارتضينا ما يشيعه كثير من الناس اليوم على تصريح سماحة المفتي.
ثم أليس هذا الأمر يماثل ذلك الموقف الذي عبَّر فيه أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي عن عقلانية الإسلام، حين طرح قضية ضرورة اتباع الحقيقة العلمية في حال تعارضت مع القرآن الكريم، وأثار كلامه هذا آنئذٍ حفيظة كثير من الناس؛ لأنهم لم يعتادوا مثل هذا الطرح العقلاني الجريء ؟!
ثم أليس من الواجب على المسلمين في سوريا أن يتعهدوا (مفتي البلاد) بالدعاء والنصح برفق ومحبة، لأنه رمز ديني لهم شاءوا أم أبوا ؟!
د. محمد ماهر قدسي
عضو الهيئة التدريسية في قسم العقائد والأديان بكلية الشريعة بجامعة حلب