استأنف سماحة المفتي العام للجمهورية العربية السورية الشيخ د. أحمد بدر الدين حسون محادثاته في العاصمة الألمانية بالاجتماع إلى وزيرة الهجرة واللجوء السياسي ودمج الأجانب في المجتمع الألماني البروفسورة ماريا بومر. وقد أوضح سماحته للوزيرة أنه ليس في سورية ما يمكن أن يسمى "بأقليات دينية"، فالمواطن في سورية أياً كان، له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات. ونوَّه أيضاً بأن المرأة تتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها الرجل، مضيفاً أن للمرأة في سورية دور كبير فعال في شتى المؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية.
وأكد أن سورية تجاوزت المشكلات التي كانت تحول دون حصول المرأة على حقوقها كاملة لأنها أمام الله كالرجل، وتطرَّق إلى "الحروب التاريخية" مشيراً إلى أنه لا يجب أن يُنظر إليها على أنها مقدسة، ولا أن نُحمِّل أبناءنا وأجيالنا آثام تلك الحروب. وقال إن بعض رجال الدين والسياسة يستغلون هذه الناحية كإسرائيل التي تريد دائماً أن تُحمِّل الأجيال تبعات الحروب وأن تستغلَّ ذلك لفرض سيطرتها. وقال إنه يجب علينا أن نُصحِّح التاريخ وأن نُعلِّم أبناءنا وأجيالنا أن العالم كله للجميع وليس لفئة دون فئة، ونوَّه في هذا الصدد إلى أن فلسطين للجميع وليس لليهود ولا للمسلمين أو المسيحيين حق الادِّعاء بالانفراد بها، ولا يجوز تشريد أحد منها بحجة أنها لفئة دينية محددة. وقال إن المشكلة عندنا هي مسألة الحقوق، ولن يكون هناك أي مشاكل حين تعود الحقوق الفلسطينية لأصحابها، والجولان إلى وطنه، وتعود مزارع شبعا. وأردف قائلاً: ولذلك أرجو المستشارة الألمانية أن تقدم شيئاً من أجل إعادة الحقوق إلى أصحابها، ومضى على القول بأنه يرجو من ألمانيا أن لا ترسل غواصات إلى إسرائيل، بل أن ترسل إلى المنطقة بأسرها سفناً سياحية وطبية وإنسانية.
وقد أعربت الوزيرة الألمانية عن شكرها لهذا الفكر التسامحي مؤكدة أنه سيكون لهذه الأفكار اهتمام واسع، وأن تكون رسائل حب وثقة بين الشعوب وليكون العيش دائماً بسلام في الشرق الأوسط. ونوَّهت إلى أن زيارة سماحته هذه والزيارة السابقة تشكلان دعماً للحوار المنفتح البنَّاء، وأشارت إلى أن ألمانيا تشهد وبصورة ملحوظة في هذه الفترة تطوراً كبيراً في الحوار الديني وخاصة مع المسلمين، لاسيما وأن هناك في ألمانيا أكثر من 4 ملايين مسلم. وأوضحت أن ألمانيا بصدد إنهاء مشكلة كانت تؤرقنا وهي عدم معرفة بعضنا البعض. وقالت إن المعرفة وتعميق التعارف يؤدِّيان إلى التلاقي وإلى احترام حق الحياة.

وكان سماحته قد ألقى محاضرة بدعوة من مؤسسة كونراد آديناور للثقافة والحوار بعنوان: "حرية الأديان كحق من حقوق الإنسان"، أكَّد فيها أن الدولة المدنية التي يسود فيها القانون هي التي تضمن حريات العبادة لمختلف الأديان والمذاهب على السواء محذِّراً من أن قيام الدول على أسس دينية ومذهبية سينجم عنه حروب وكوارث إنسانية كبيرة تحت اسم الدين.
ورأى سماحته خلال المحاضرة التي ألقاها في قاعة /كونراد آديناور/ وحضرها عدد كبير من الشخصيات الرسمية والحزبية الألمانية أن الدولة إذا كانت دينية أغلقت عقلها وفكرها وهذا يتناقض مع مفهوم تطور المجتمعات الإنسانية رافضاً في الوقت نفسه تسمية الدول بمسمياتها الدينية كالدولة الإسلامية أو الدولة المسيحية أو اليهودية وغيرها.
وأضاف سماحته أن الحكم يجب أن يكون باسم القانون وليس باسم الدين معتبراً أن إلباس السياسة عباءة الدين أمر خطير لابدَّ من التصدي له لأنه يحوِّل الدين إلى سياسة، وهذا يُبعده عن جوهره الروحاني والأخلاقي، كما انتقد سماحته بشدة الأعمال الإرهابية التي تجري باسم الدين مؤكِّداً أن الدين براء من أعمال قتل وتخريب تُلحق الأضرار بحياة الناس ومصالحهم.
وأكد سماحة المفتي أن سورية هي مثال للمجتمع الإنساني بين الأديان في العالم ويخضع جميع مواطنيها لقانون واحد يضمن لهم حرية العبادة مشيراً أن لا وجود لمقولة /أقليات/ في المجتمع السوري لأن الجميع متساوون في الحقوق والواجبات والجميع يخضعون لقانون واحد يضمن لهم الحريات العامة وحرية العبادة.
وأكد سماحته أنه لم تكن هناك عبر التاريخ حروب مقدسة بل هي حروب سياسية باسم الدين، معتبراً أن تحوُّل رجال الدين إلى رجال سياسة أو حكام خلف الحكام يعملون لمصالحهم، هو الذي حوَّل الدين إلى كره ورفض بدل أن يكون قائماً على الحب والإخاء داعياً الحضور إلى إعادة قراءة التاريخ بحيادية ورؤية منفتحة لتتكشف الكثير من الحقائق التاريخية والأخطاء التي ارتكبت باسم الدين وهو براء منها.
ومضى سماحة المفتي في القول إن منطقتنا العربية اليوم تعجُّ بالحروب متسائلاً عن أسباب اشتعال الحروب في العراق وفلسطين ولبنان وتحول الأرض التي باركها الله وجعلها موئلاً للسلام إلى مناطق مشتعلة تُنتهك فيها الحقوق والكرامة الإنسانية بأبشع صورها.
وأكَّد سماحته أن المشكلة في منطقتنا ليست في الدين كما يصورها البعض عبر وسائل الإعلام بل هي في السياسات التي تتَّبعها بعض الدول في دعم الاحتلال وسلب حقوق شعوب المنطقة داعياً إلى ضرورة إعادة الأراضي المحتلة إلى أصحابها الشرعيين وتطبيق قرارات الأمم المتحدة في المنطقة ليَعُمَّ السلام والأمن في المنطقة والعالم.
كما دعا سماحته إلى وقف الحروب ومنع تدفق أسلحة الدمار الشامل إلى المنطقة التي سار عليها أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام التي تهدد شعوب الإقليم بل والعالم برمَّته.
وأضاف سماحته: إذا كانت ألمانيا وبريطانيا وفرنسا تُفاخر اليوم بوجود وزراء من أصل مسلم في وزاراتها، فإن رئيس وزراء سوريا في عام 1949 كان مسيحياً، وكان يُحمل على الأكتاف أثناء دخوله الجامع الأموي.
كما هنَّأ الشعب الألماني على إنجازه الإنساني الكبير بهدم جدار برلين الذي فرَّق الإنسان عن أخيه الإنسان من دون أن يريقوا قطرة دم واحدة داعياً إلى هدم جدار العزل العنصري الذي يقيمه الكيان الصهيوني للتفريق بين الأديان وعزل الشعب الفلسطيني وإبعاده عن حقه في إقامة صلاته في المسجد الأقصى المبارك الذي هو لجميع الأديان السماوية.
وفي ختام المحاضرة قدَّم سماحة المفتي إلى رئيس مؤسسة /كونراد آديناور/ الرئيس السابق للاتحاد الأوروبي د. هانس-غيرت بوترينغ، هدية تذكارية هي عبارة عن /وسام/ يعبر عن التطور الفكري والثقافي في سورية.
بعد ذلك جرت حلقة حوار أدارها السيد غونتر مولاك السفير الألماني السابق في سورية وعدد من البلدان العربية والإسلامية، وأجاب خلالها سماحة المفتي على عدد من الأسئلة. وأكد سماحته على أهمية الإعلام والموضوعية في نقل الحقائق لبناء جسور الثقة والتعاون بين شعوب الأرض وأديانها. كما حمَّل وسائل الإعلام المسيِّسة مسؤولية نقل الأحداث والحقائق المشوِّهة لإثارة الفتن والنعرات الأمر الذي يدعو من جديد إلى إعادة قراءة دور الإعلام وأهميته في حوار الحضارات.
كما أكَّد سماحته أن الإسلام يُحرِّم إنتاج الأسلحة الفتاكة وخاصة أسلحة الدمار الشامل والنووية لأنها تفني البشرية التي خلقها الله بأبهى صورها. ودعا إلى أن تحول التقنية النووية وغيرها من وسائل التطور العلمي إلى أدوات لخدمة الإنسانية في مجالات الطب والطاقة النظيفة وغيرها من القضايا التي تحفظ للبشرية استمرارها على الأرض بسلام وأمان.
وقد عبَّر الحضور في نهاية اللقاء عن إعجابهم، بتصفيق استمر بضع دقائق، وبدا التأثر واضحاً على وجوه الحضور وخاصة الألمان الذين أبدوا إعجابهم بالمحاضرة والحقائق التي تعرفوا عليها. وحمَّلوا في الوقت نفسه الإعلام الغربي والإعلام العربي والإسلامي مسؤولية عدم إيصال الحقائق عن الدين الإسلامي بشكل موضوعي يتيح للآخرين التقارب منه والتعرف على جوهره.
ثم التقى سماحة المفتي العام عقب ذلك بالجالية السورية والعربية المقيمة في برلين بحضور السيدة عبير الجرف القائمة بأعمال السفارة السورية في برلين والسيد نضال داغستاني رئيس الرابطة الاتحادية ومصطفى جمرة رئيس رابطة المغتربين السوريين في ألمانيا. كما حضر اللقاء عدد من ممثلي الجاليات العربية والإسلامية في العاصمة الألمانية وعدد كبير من أبناء الجالية السورية.. وأكد سماحة المفتي خلال اللقاء على ضرورة أن يكون أبناء الجاليات العربية مثالاً يُحتذى به في نقل الرسالة الإنسانية إلى بلدان الاغتراب وأن يعملوا على إيصال رسائل المحبة والإخاء إلى تلك البلدان ليكونوا سفراء حقيقيين لدينهم وبلدانهم.
كما أكد على ضرورة التعاون بين أبناء الجاليات العربية من اجل إقامة جسور التعاون مع المجتمعات الأخرى، وكي يعوِّضوا عن تقصير وسائل الإعلام العربية والإسلامية في رسم صورة إيجابية عن حقيقة دين الإسلام ومجتمعاتنا الشرقية.

ثم أجاب سماحته على أسئلة الحضور مقدِّماً نصائحه لحلِّ المشاكل الدينية والنفسية والاجتماعية التي تواجههم.
وكان سماحته قد استهلَّ محادثاته في العاصمة الألمانية بالاجتماع إلى رئيس دائرة الأمن والسياسة الخارجية في المستشارية كريستوف هويسْغن. وبعد الترحيب من المستشار السياسي، استهلَّ سماحة المفتي الحديث بأنه جاء إلى ألمانيا بالحب الذي يجعل الإنسان يتكامل مع أخيه الإنسان، منوهاً أنه جاء من أرض عاش فيها كل الأنبياء. ونوَّه إلى أن سورية كانت تمدُّ يدها للسلام، ولكنْ السلام الذي يحفظ كرامة الإنسان ويعيد الحقوق لأصحابها. وأشار إلى أنه من المعروف عن الشعب الألماني أنه صاحب قوة عقلية، تتوجت بالقدرة على هدم الجدار دون إراقة قطرة من الدماء. وأضاف أن الشعب السوري ينظر إلى الشعب الألماني نظرة تقدير واحترام، خاصة وأن ألمانيا لم تستعمر أي بلد عربي أو إسلامي. وأردف قائلاً: ولذا أقول لإسرائيل تعلَّموا من الشعب الألماني كيف يكون هدم كل جدار، مضيفاً: لنجعل القدس مدينة السلام للمسلم واليهودي والمسيحي دون تشريد أحد، ومضى إلى القول بأنه لا يجدر بنا أن نفكر فقط في الأرض المقدسة، بل ليكن تفكيرنا في كرامة الإنسان وحياته، وقال: أرجو أن لا تصدقوا ما تكتبه بعض وسائل الإعلام عن سورية مؤكداً أن سورية تعيش دائماً في أمن وأمان، منوهاً في هذا الصدد بأن الرئيس السوري يسير في سورية دون حرس لأن حراسه هُم الشعب السوري. وطالب السياسي الألماني المقرَّب إلى المستشارة أنغيلا ميركيل أن ينقل إليها أن الشعب السوري يطلب منها أن تكون جسراً للسلام.
وقد رد المستشار السياسي هويسغن بقوله: أرجو أن يكون رجال الدين كافة بهذا المستوى من التفكير، مشيراً إلى أن ألمانيا تتسم بالتسامح فيما يتعلق بالديانات.
وأضاف أنه أُعجب كثيراً بتاريخ دمشق وبالتسامح الديني فيها، وبهذا التعايش النموذجي، وأعرب عن رأيه في أن ذلك يعود إلى المحبة السائدة في بلادكم، مؤكداً أن كل ما طرحه سماحة المفتي من أفكار جدير بالترحيب، منوهاً أن الأبواب مفتوحة لكم دائماً.
وقد نوَّه سماحة المفتي عند اجتماعه إلى سكرتير الدولة البرلماني في وزارة الداخلية الألمانية د. أوله شرويدر المسؤول عن المؤتمر الإسلامي في ألمانيا، بأننا نشهد منذ سنوات عناوين زائفة تُستخدم في وصف الصراعات، كصراع الحضارات وصراع الأديان والصراع الاقتصادي، وما أشبه. وقال إنها كلها مجافية للحقيقة، لأن المجتمع الإنساني عبارة عن مجموعة من الثقافات تشكل الحضارة الإنسانية الواحدة، وليس هناك صراع بين الحضارات، بل تكامل وحوار، ونوَّه إلى أن الدين في العالم كله له كلمتان: قداسة الله وكرامة الإنسان.
وأعرب عن رأيه في أن الصراع الديني بدأ عندما أُقحمت الأحزاب السياسية في الدين. وأكد أنه على الدولة أن تكون مدنية، فالأنبياء لم يبنوا دولة إنما بنوا الإنسان وقالوا للإنسان: ابن دولة. ونوَّه إلى أن العراق يعاني منذ دخول أمريكا من إثارة النعرات الطائفية بين أبنائه.. وأوضح سماحته للسياسي المسيحي الديمقراطي البارز أن شعب سوريا أسرة واحدة، ولا توجد هناك أي مشكلة بين كافة الأطياف، وليس هناك أقليات في سورية، فكلنا نعيش تحت مظلة المواطن السوري الذي ينتمي إلى أسرة واحدة، وطالب بتعاون شامل لإنهاء التطرف في كل أنحاء العالم والوقوف في وجه محاولات إقامة الدول الدينية، منبهاً إلى أن إسرائيل تحكمها أحزاب دينية.
وقد أعرب سكرتير الدولة البرلماني في وزارة الداخلية الألمانية عن ترحيبه بزيارة سماحة المفتي وشكره له لتلبية الدعوة، مؤكداً وجود /حوار بين سوريا وألمانيا/.