عن زيارة سماحة المفتي العام للبرلمان الأوربي وكلمته أمام أعضاء البرلمان كتب الدكتور محمد أيمن سوسان رئيس بعثة سورية لدى البرلمان الأوروبي مقالة بعنوان : إضاءات سورية في الفضاء الأوربي :
لقد قدمت سورية بصورة لم نألفها ـ هذا البلد يستحق اهتماماً كبيراً وتقديراً أكبر ـ يوماً سورياً بامتياز في معقل المشرعين الأوروبيين. هكذا عبّر عدد من النواب والمسؤولين والأوروبيين عن انطباعاتهم بعد الخطاب الذي ألقاه سماحة المفتي العام للجمهورية الدكتور أحمد بدر الدين حسون أمام الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي في ستراسبورغ مؤخراً بحضور عدد غير مسبوق من النواب في مثل هذه الحالات حيث بلغ 704 نواب.
زيارة سماحة المفتي جاءت بدعوة من السيد هانز جيرت بوترينغ رئيس البرلمان الأوروبي في إطار فعاليات إعلان عام 2008 عام الحوار بين الثقافات في أوروبا، وكان سماحته أول شخصية تتحدث في هذا الإطار، أي إن شرف الافتتاح قد أعطي لسورية، كما أن الخطاب قوطع خمس مرات بتصفيق حاد، وهذه أمور شكلية ورمزية ولكن لها دلالات كبيرة، حيث خاطب سماحته القلب والعقل الأوروبي معاً ولامس الهواجس والمخاوف ولكن أيضاً كانت في كلمته مساحات واسعة للأمل في هذا العالم الذي تطغى فيه مشاعر القلق واليأس والخوف من الغد المجهول.
صحيح أن سورية لا تحظى بشعبية كبيرة في الإعلام الأوروبي، وغالباً ما يقدمها هذا الإعلام على أنها البلد الذي يثير الاضطرابات ويؤوي منظمات راديكالية أو إرهابية ويحملها وزر الشرور في المنطقة، حملة التضليل هذه معروفة دوافعها ومن يقف وراءها وهي تندرج في إطار الضغوط لدفع سورية إلى «تغيير سلوكها» وانتهاج سياسات وفق الرؤية والمفهوم الغربي، فإن أفلحت الضغوط وحصل التغيير المأمول في هذه السياسات فإن الصورة ستتغير وستصبح سورية في الإعلام الغربي واحة للديمقراطية ونموذجاً للاعتدال، ومساهماً ايجابياً بناء في التوصل إلى تسويات مقبولة لمشكلات الشرق الأوسط.
في ظل هذه الأجواء ارتفع صوت سوري من قلعة الشرعية الأوروبية في ستراسبورغ ليعلن بأن : ـ رسالة سورية هي رسالة المحبة والسلام والتسامح ـ الإنسان هو الكائن الأكثر قداسة ـ ثقافتنا هي العيش المشترك واحترام الآخر. ـ لا توجد حضارات متعددة بل ثقافات متعددة تساهم في حضارة واحدة هي الحضارة الإنسانية. ـ أمام العنف المتزايد يجب البحث عن أسباب اليأس التي تدفع البعض للتضحية بأغلى شيء وهو الحياة عوضاً عن الاكتفاء بالندب والإدانة. ـ رفع الظلم وتحقيق العدل وإزالة العدوان هو الطريق لتحقيق السلام والطمأنينة في العالم. ـ لك مطلق الحرية بأن لا تعتقد فيما أؤمن به ولكن لا يحق لك الإساءة لمقدسات الآخرين.
بهذه العبارات وجه سماحة المفتي العام رسائل متعددة وعكس صورة واقعية حقيقية للنموذج السوري في العيش المشترك والمحبة واحترام الآخر، صحيح أن الكثير من النواب الأوروبيين يعلمون بأن سورية هي البلد الأكثر علمانية في الشرق المهدد والممزق في الكثير من دوله بنزاعات وحساسيات من كل الأنواع، ولكنهم أدركوا بأنها علمانية تستند إلى قيم أخلاقية وروحية عمادها التآخي والتسامح والاحترام الذي يصل إلى حد تقديس معتقدات الآخر، علمانية تختلف عن تلك القائمة على المادية والفراغ الروحي، علمانية تحترم الآخر ولا تؤذيه ولا تسيء لمشاعره بحجة حرية التعبير، أليست هذه هي الديمقراطية الحقيقية والتي تضع حدوداً للحرية عندما تلامس حرية الآخرين؟.
وكيف نستطيع بعد ذلك أن نتهم بلداً يعتبر الإنسان الكائن الأكثر قداسة بتشجيع ودعم الإرهاب وهل تجرؤ على اتهام هذا البلد بالتطرف وهو يوجه النداء تلو النداء من أجل السلام العادل والشامل، ويعلن بصوت عال أن رسالة سورية هي رسالة المحبة والسلام، إنها دعوة إلى العقل الأوروبي للتساؤل عن الطرف الذي يعيق هذا السلام، ووضع النقاط على الحروف عبر اتخاذ مواقف جادة وفاعلة إزاء الطرف المعرقل وعدم الاكتفاء بمواقف خجولة، لاسيما أن هناك وعياً أوروبياً متزايداً بأن دفع فواتير السياسات الخاطئة لن يجعل أوروبا بمنأى عن الشرارات المتطايرة لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط بل إنها المتأثر الأكبر والأول بما يحصل في المنطقة.
إن المتطرف هو ذلك الذي يستمر في عدوانه وغيه، وإفشال وإحباط كافة الجهود الرامية لتحقيق السلام في المنطقة، التطرف هو تلك الايديولوجية المحافظة الجديدة التي تبشر بصراع الحضارات وتسعى عبر فوضتها الخلاقة إلى السيطرة على مقدرات العالم ولو كلف ذلك حياة الملايين من البشر.
إن المتطرف الحقيقي هو ذلك الذي ينشر ثقافة الحقد والكراهية عبر السياسات الظالمة وهو الحليف الطبيعي لأصحاب الفكر الهدام الذي لا دين له ولا وطن، هكذا وجه سماحته أيضاً دعوة إلى الأخوة في الإنسانية من أجل الحوار والتصالح للوصول إلى فهم أفضل والعيش بتناغم وتشكيل حلف مشترك في مواجهة أعداء الإنسانية.
هذه الرسائل والدلالات وجدت لها صدى ايجابياً عميقاً في نفوس وقلوب البرلمانيين الأوروبيين ومن هناك كان ذلك الترحيب والقبول الايجابي لدعوة سماحة المفتي للبرلمان الأوروبي لعقد إحدى جلسات فعاليات الحوار بين الثقافات في دمشق عاصمة الثقافة العربية، ليتعرفوا مجدداً على سورية بلد الثقافات المتعددة والحضارة الواحدة ومهد الديانات السماوية.
إضاءات ايجابية، وأفكار وجدت طريقها إلى العقول والقلوب، عكستها السيدة رودي كراتسا النائب الأول لرئيس البرلمان الأوروبي بقولها: إن سورية هي البلد المؤهل أكثر من غيره ليكون الشريك الاستراتيجي لأوروبا في الشرق الأوسط، أما رئيس البرلمان الأوروبي السيد بوترينغ فقد أعرب عن قناعته ورغبته بالعمل مع سورية من أجل السلام، وسورية التي جعلت من السلام خيارها الاستراتيجي تؤكد مرة جديدة بأن يدها ممدودة لكل الجهود الصادقة للوصول إلى هذا الهدف وتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، والتفرغ من أجل تحقيق التنمية وبناء مستقبل واعد ينعم فيه أبناء المنطقة بالرفاه والرخاء والطمأنينة بعد عقود من الظلم والعدوان، هذه هي سورية كما عكستها زيارة سماحة المفتي العام للجمهورية إلى البرلمان الأوروبي، سورية المحبة والسلام والعيش المشترك في مواجهة ثقافة الحقد والكراهية والصدام، تحمل رسالة التناغم الخلاق المبدع في وجه الفوضى المدمرة البعيدة عن كل ما هو خلاق وأخلاقي.
صحيفة تشرين العدد 10092 – يوم الأحد ( 26 محرم 1429 – 3 شباط 2008 )