قام سماحة الشيخ الدكتور أحمد بدر الدين حسون ، المفتي العام - رئيس مجلس الإفتاء الأعلى في الجمهورية العربية السورية والوفد المرافق له ويضم كلاً من سيادة المطران انطوان اودو مطران الكلدان في سورية والشيخ عبد الرحمن حسون إمام وخطيب جامع الروضة بحلب والمهندس باسل قس نصر الله مستشار سماحة المفتي -ا بناء على دعوة خاصة من السيدة اورسولا بلاسنيك وزيرة خارجية النمسا السابقة والسيد عمرو موسى ، الأمين العام للجامعة العربية لحضور فعاليات مؤتمر " أوروبا والعالم العربي – شركاء في الحوار" الذي انعقد في العاصمة النمساوية بين 17 و 19 كانون الأول 2008 . كما أن السيد مايك سبيند يليغر وزير خارجية النمسا حال استلامه مهام عمله ، أرسل رسالة جدد خلالها الدعوة الموجهة لسماحة المفتي معرباً عن غبطته الكبيرة للكلمة التي سيلقيها سماحته .
وقد وصل سماحة المفتي والوفد المرافق مساء يوم الثلاثاء 16 كانون الأول 2008 حيث كان في استقباله عند سلّم الطائرة برتوكول وزارة الخارجية النمساوية ومحمد بادي خطاب السفير السوري في فيينا والمهندس مضر خوجة مستشار رئيس الهيئة الإسلامية الرسمية في النمسا والسيد نبيل كزبري ومجموعة من المغتربين السوريين في النمسا .
الأربعاء 17 – 12 – 2008
تم افتتاح مؤتمر " أوروبا والعالم العربي – شركاء في الحوار " حيث ألقيت في حفل الافتتاح كلمات كل من السيد مايك سبينديليغر وزير خارجية النمسا والسيد عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية والسيدة يسرية سواريس رئيسة جمعية التنمية في مصر وصاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل من مؤسسة الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية ، والسيد جيل كيبل من جامعة السوربون في فرنسا .

وقد أكدت الكلمات على أهمية هذا المؤتمر لاعتباره المؤتمر الثاني على المستوى الوزاري والأول بين الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ، وأن الاتحاد الأوروبي والعالم العربي لهم تاريخ وتقاليد مشتركة ترتكز على التعايش السلمي .
كما أشارت الكلمات أن التاريخ المشترك بين الاتحاد الأوروبي والعالم العربي يعود إلى القرن الثامن الميلادي مثل المجتمعات الإسلامية في رومانيا واليونان ، كما أنه في القرن العشرين أتت الهجرات من تركيا وآسيا وإفريقيا حيث بلغت أعداد المسلمين في أوروبا منذ خمسين سنة ثمانمئة ألف أما الآن فهو عشرون مليون، مؤكدين أن المصالح والأهداف المشتركة بين العالمين العربي والأوروبي كثيرة أهمها الأمن وذلك بإقامة دولة فلسطينية حقيقية على أن تكون عاصمتها القدس الشرقية إضافة إلى تحرير الأرض المحتلة السورية واللبنانية .
وبعد مأدبة غداء أقامتها وزارة الخارجية النمساوية ، زار مفتي سوريا والوفد المرافق الهيئة الإسلامية الرسمية في النمسا حيث كان في استقباله البروفسور أنس الشقفة رئيس الهيئة .
وقد عرض البروفسور الشقفة لمحة موجزة عن وضع المسلمين في النمسا والذي يبلغ عددهم مائة وخمسون ألفاً نصفهم من تركيا ، وأن عدد المساجد ستون مسجداً ،مشيراً إلى أن الأنشطة لدى الهيئة متركزة في فيينا وأن الهيئة لديها عشرة مدارس من كافة المستويات وأن الدراسة في الجامعة تتم بالاتفاق مع الهيئة .

من جهته شدد سماحة المفتي على ضرورة الانخراط الايجابي في المجتمعات باحترام جميع قوانين وأنظمة البلد الذي يعيش فيه المسلم وذلك لإبراز الوجه الحقيقي للإسلام على عكس ما يصوّره كثير من أعداءه مشيراً إلى ضرورة التعاون والتنسيق بين مؤسسة الإفتاء وبين الهيئة الرسمية لمسلمي النمسا.
الخميس 18 – 12 – 2008
أقامت السيدة اورسولا بلاسنيك وزيرة خارجية النمسا السابقة مأدبة غداء على شرف سماحة المفتي والوفد المرافق دعت إليها كلا من الرئيس الأسبق لحزب الشعب المحافظ والمستشار النمساوي السابق وصاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل وعقيلته والسيدة حنان عشراوي والسيدة يسرية سواريس ومطران فيينا ورئيس قسم السياسة الخارجية في منطقة الشرق الأوسط والسيد ممثل خافيير سولانا.
وقد رحبت السيدة بلاسنيك بسماحة المفتي والوفد المرافق وعادت بالذكرى إلى الزيارة التي قامت بها إلى سورية وقابلت خلالها السيد الرئيس بشار الأسد وزارت أيضاً مدينة حلب.

بدوره أكد سماحة المفتي أنه عرف السيدة بلاسنيك " في ساعات الشدة وفي لحظة كادت تصدّق البشرية أن هناك صدام بين الحضارات والأديان ، وأضاف سماحته قائلاً : أذكر عندما ألتقيت بكِ مع وزير خارجية الدانمارك أنني قلت ، إنكم لو جئتم إلى بلدنا لوجدتم المسيح ومحمد متعانقين مع بعضهم البعض . . . . إن عملك في ذلك الوقت كان عملاً مقدساً .
وأضاف سماحته : إنني أشترك معكم ومع سيادة المطران في عدة أوجه :
متفقون في أخوة الجسد فكلنا أبناء آدم وحواء ، وفي أخوة الروح التي تسري فينا فهي نفخة الله عزوجل ، كما نتفق أيضاً في أخوة الدين فمهما تعددت الشرائع ، فالدين واحد وأبونا إبراهيم ، وغير صحيح ما يقال عن القتال باسم الدين ، نحن نقاتل باسم العدل.
لذلك فلنعمل على تأسيس دول مدنية تقوم على العدل ونبتعد ما استطعنا عن الدول الدينية وكذلك عن الدول العرقية لأن الإنسان كله طاهر، فليس هناك عرق أطهر من ساحة الفكر والكرامة والحرية والإيمان, وأوجه الدعوة لكل الموجودين في هذا اللقاء أن نشارك في لقاء مشابه في سورية .
وفي ختام اللقاء تبادل سماحة المفتي والسيدة بلاسنيك الهدايا التذكارية.
كما زار سماحة المفتي والوفد المرافق مؤسسة (برواورينتي) التابعة للكنيسة الكاثوليكية حيث كان في استقبالهم مدير المؤسسة الدكتور مارته .
وفي مساء اليوم ذاته كانت رابطة الأطباء النمساويين السوريين بالتعاون مع الهيئة الإسلامية الرسمية في النمسا قد دعت إلى محاضرة لسماحة المفتي العام والمطران أودو في نقابة الأطباء النمساويين بعنوان " التعايش الديني في سورية تاريخاً وحاضراً " .
وقد تحدّث صاحب السماحة عن ثلاثة كتب في الكون وهي الكتاب المدوّن والكتاب المكوّن والكتاب المؤنسن

فالكتاب المدوّن يضم صحف إبراهيم وزبور داود والتوراة والإنجيل والقرآن وهي كتاب واحد اسمه الكتاب الإلهي المدوّن وهو يغذي العقل وقد أنزله الله تعالى من أجل الإنسان .
أما الكتاب الثاني فهو كتاب الكون (المكوّن) ، فالكرة الأرضية وما حولها هو كتاب صنعه الله .
أما الكتاب الثالث وهو أهمهم فهو كتاب الإنسان ، إن الكتاب المدون لا يتجاوز عدد صفحاته بضع مئات أما المكون فهو الأرض والشمس والقمر وغيرها وكل واحدة تشكل صفحة من هذا الكتاب ، أما الكتاب المؤنسن فعدد صفحاته 6.5 مليار صفحة ولا تجد صفحة مثل أخرى.
فان قلتم إن القرآن والإنجيل والزبور هو الكتاب المقدس والكون هو الكتاب الرائع فيكون الإنسان هو الكتاب الأقدس من كل الكتب " فبناء الساجد والعابد هو أهم من أي بناء مقدس.
فمن أجل الإنسان بنيت الكعبة والكنيسة وكل الأنبياء أتوا من أجلنا لا من أجل ابنيتنا .
فأنا أؤمن بالأرض المقدسة من غزة إلى أنطاكيا ومن النهر إلى البحر ، هذه بلاد اختارتها السماء لتكون كل الرسالات فيها ، فالدين واحد والشرائع متعددة ، وهناك حضارة واحدة وهي الحضارة الانسانية التي تغذيها الثقافات المتعددة فهناك ثقافات إسلامية ومسيحية وعربية وأوروبية وكلدانية وغيرها الكثير ، فتتعدد الثقافات بكل أنواعها لتصب في بناء الحضارة الإنسانية الواحدة .
والنقطة الهامة أنه ليس هناك وطن ديني أبداً فالأرض أمٌ وأهل الأرض أبناؤها لذلك كذبة إسرائيل ستكشف على أنها كذبة القرن الحادي والعشرين فالدولة لا تبنى على أساس ديني بل تبنى على أساس احترام الإنسان.
إننا أمة نتحمل الآلام اليوم لأننا حملنا النور إلى العالم ، إن الدولة العادلة هي التي يعيش فيها الإنسان ويأخذ كل حقوقه ولا يحاسبه إلا الديان.

المطران أودو جال جولة سريعة على واقع العيش المشترك وسماه " عيش العقلانية " حيث قال إننا نعيش العقلانية من خلال خبرة عيش يومية ، وأردف أن مسيحيي الشرق يستطيعون أن يعطوا شهادة عن خبرتهم في كيفية الحياة الاجتماعية للمسلمين وهذا ما يساعد المجتمعات الأوروبية لدى اندماج المسلمين فيها يوما بعد يوم ، كما أريد أن أحدد أن سماحة الشيخ الدكتور أحمد بدر الدين حسون له دور كبير في فتح طرق جديدة وأسلوب جديد في الحوار ، ففي الأعياد مثلاً كالفطر والأضحى نذهب نحن رجال الدين المسيحيين لمعايدة المفتي العام وتكون القاعة ممتلئة بالمؤمنين ويرحب بضيوفه ويعطي الكلام للمطارنة ، ليعبر بذلك عن فكره ، فنستطيع أن نقول أننا في حوار مع إخوتنا المسلمين في هذه المناسبات حيث يسمعون منا ونسمع منهم .
إن سورية تستطيع أن تكون فخورة بتراثها وبهذا النموذج ومن زار سورية شاهد هذا الواقع وهذا الاحترام المتبادل ..
أريد أن أؤكد أننا نراهن على غنى تاريخنا وتراثنا - الإسلامي والمسيحي - وأن نحافظ عليه وننقحه .
19 – 12 – 2007
افتتحت جلسة الحوار الوزارية في القصر الإمبراطوري في فيينا حيث كان في استقبال سماحة المفتي والوفد المرافق وزير الخارجية النمساوي ، حيث افتتح المؤتمر بكلمتين ترحيبيتين لكل من وزير الخارجية النمساوي وأمين عام الجامعة العربية بالوفود المشاركة .
كلمة سماحة مفتي الجمهورية العربية السورية في مؤتمر " أوروبا والعالم العربي – شركاء في الحوار"
للاستماع اضغط هنا

حيّا سماحة المفتي الحضور بلغات عديدة .. العربية والألمانية والانكليزية والفرنسية والايطالية وبدأ كلمته ثم قال :
أيها الأصدقاء
السيد وزير الخارجية النمساوي ، السيد أمين الجامعة العربية ، الصديقة العزيزة ارسولا بلاسينك أصحاب المعالي ، سادتي سيداتي ، إخوتي أخواتي:
كلكم تكلمتم عن الدين وقلتم عن خطورة الدين وحقيقة ما يحدث بالعالم اليوم هو الصراع أساسه تقديس الدين اكثر من الانسان ، الانسان أيها السادة هو الكتاب المقدس قبل القرآن وقبل الانجيل وقبل التوراة ، الانسان هو المقدس قبل مكة وقبل القدس وقبل كنيسة القيامة .
الانسان هو الأقدس في الكون لذلك كل الحروب التي افتعلت باسم الدين وسميت مقدسة لم تكن مقدسة لأن قتل الانسان لا يكون مقدساً أبداً ، فالدين إنما جاء من أجل الانسان من أجل حياته ولهذا اخترعت كلمات لا ندري عنها شيئا كصراع الحضارات وصراع الاديان وصراع الثقافات .
أيها السادة:
أنتم هنا تجلسون وأبناؤنا الذين يدرسون، في المدارس والجامعات، لنسأل أنفسنا بصدق هل درسّناهم أن الإنسان أقدس من كل شيء، ولذلك تعالو لنقيم دولاً مدنية وإياكم من إقامة دولة دينية، لأن الدين للحياة، والسياسة لإقامة القوانين .
حضارة إنسانية واحدة:
يجب أن نعيد النظر في أنه هناك حضارة إنسانية واحدة كلنا بنيناها ، فهذه القاعة لم يبنها النمساويون فقط .. والذين صعدوا إلى القمر من وكالة ناسا ليسوا أمريكيين فقط وليسوا روسيين فقط فكلنا قمنا بصنع هذه الحضارة وساهمنا بثقافاتنا .
دين واحد وشرائع متعددة :
أيها السادة ليس هنالك أديان هنالك دين واحد وشرائع متعددة ، الدين هو الذي أرسله الله للإنسان والشرائع لنظام حياته فحينما نقول أديان متعددة يجب ان يكون الاله متعدد ونحن نؤمن بأن الإله واحد لذلك نقول كلنا أن الله رب العالمين.
أيها السادة لقاؤكم رائع جدا ولكن يجب أن نعيد النظر في مناهج حياتنا في المجتمع والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة ، ونجعل منهج العالميةهو طريقنا وليست العولمة ، لأن العولمة مسح الثقافات والعالمية ترابط الثقافات ، فأنا أساعدك بعروبيتي وأنت تساعدني بأوروبيتك ، أنا أعاونك بإسلامي وتعاوني بمسيحيتك ويهوديتك وعلمانيتك أيضاً فأنا اعترف بك علمانياً وإن لم تكن متديناً فأنت أخي في الإنسانية .
أيها السادة :
نعم أحييكم في أوروبا وقد أسقطتم جدار برلين دون أن تبذلوا قطرة دم واحدة فلماذا لا نتعاون أيضاً لنسقط جداراً هناك يبنى في أرض استقبلت كل شرائع السماء يبنى الجدار هناك بين أبناء الأسرة الإنسانية الواحدة فلنمسك بأيدينا ولنمنع أي جدار يمنع تحاورنا مع بعضنا .
أيها السادة :
جئتكم من أرض أرسلت النور لكل الدنيا , ألم تسألوا أنفسكم لماذا كانت أرضنا مهد رسالات السماء فلماذا لم يكن موسى في فيينا وعيسى في باريس ومحمد في موسكو ، لذلك نرجوكم اطفؤوا النار من أرضنا فقد أرسلنا لكم النور يوماً ولا تجعلوا أرضنا تحترق بالنار لأنها إن بقيت مشتعلة فسيصل حريقها اليكم .
نهنئ أوروبا وسورية بتوقيع عقد الشراكة الاولى وأرجو أن يكون مع كل أبناء البحر الأبيض المتوسط.
وبعد الجلسة الحوارية أقام وزير الخارجية النمساوي مأدبة غداء لرؤساء الوفود المشاركة.
ومساء غادر سماحة المفتي والوفد المرافق مطار فيينا حيث كان في مقدمة مودعيهم أعضاء من الهيئة الإسلامية الرسمية في النمسا وممثلين عن وزارة الخارجية النمساوية


