محل وتاريخ الولادة : قرية ياقد العدس . مدينة حلب (1913)
كان والده معلما" للقرآن في القرية وكان رجلا" مضيافا"
على ما أخبرني به السيد الوالد حيث قال :
- حين حدثت مجاعة في أيام الاحتلال الفرنسي ، فكان والدي وجدي قبله ، يقصد الناس بيتهما ، من قضاء جبل سمعان ، ليأكلوا ويبيتوا لأيام عدة ، والقدور تغط بالسليقة ، والحنطة , لإطعام الناس .
- ولكن بعد ذلك ترك والد الشيخ القرية ونزل إلى المدينة (حلب) حيث أخذ وظيفة مؤذن في جامع حمزة بك الذي كان السيد الوالد إماما فيه.
- وقد توفى والده في شهر رمضان عام (1967) عن عمر يناهز التسعين بينما كان السيد الوالد في الدرس الصباحي حيث أبلغ عن وفاته في المستشفى فما كان من الشيخ إلا أن قال :
- لا حول ولا قوة إلا بالله أنا لله وأنا إليه راجعون .
- وقد كان جدي الحاج محمد رحمه الله ، شديد التعلق بالسيد الوالد ، وكثير المحبة له ، والاحترام فكان يناديه بالشيخ أديب ، حسبما حدثت من أحباب الوالد الذين عاشروه، وخالطوه.
- أما والدته فهي السيدة مريم بنت عمر حسون حيث يحدثنا عنها فيقول ( كانت امرأة صالحة ، لا تترك قيام الليل ، والدعاء فيه للشيخ الوالد).
وكان يخاطبهما بأدب شديد ، وهذا شأن طلاب العلم ، الذين يعلمون الناس ، ما يجب أن تظهر أخلاقهم مع أقرب الناس إليهم ، قبل أن تظهر بين الناس في المجتمع .
كما ينبه السيد الوالد إلى ذلك دائما" بقوله:
يجب أن يظهر احترامك وأخلاقك في البيت ، قبل أن تظهرها للناس مثاليا" ، فهذا يكون فيك نفاق ورياء ، لا يليقان بالمسلم ، ولا يليقان بطالب العلم ، من باب أولى .
أما عن إخوة الشيخ فيحدثنا ويقول :
- كان أخي الكبير الحاج محمد ( توفى عام – 1991 ) . له فضل علي في إدخالي إلى المدرسة ، حيث أخذني إلى المدرسة ،( كبرني سنتين وكان عمري إذ ذاك عشر سنين فزاد في عمري سنتين ) حتى أقبل ، وذلك في وقت كان والدي يرغب إلي ويأمرني بأن أنزل إلى السوق ، وأعمل في بيع الخضار ، حيث عمل والدي رحمه الله ، في سوق الهال فترة في بيع الرزق ، الذي ينتج من قريتنا ، وكنت أبكي وأقول له أريد أن أطلب العلم ، فيعرض عني ، هيأ الله لي أحد طلاب العلم فقال لوالدي :
لقد رأينا غرفة للشيخ أديب في القرناصية ، وذهبت إلى القرية ، وأنا فرح فأخذت بعض الأغراض التي تلزمني ، وأخذ بيدي أخي الحاج محمد إلى المدرسة الشعبانية وسجلني فيها ، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى الخسروية، وهي الثانوية الشرعية اليوم .
- وأما أخوه الثاني فهو الحاج عبد اللطيف
- وله أخت ، تسكن في القرية .
وكل إخوة الشيخ أكبر منه وهو أصغرهم سنا" وكان يقول لنا :
حينما ولدتني أمي ، حدثني من أعرفه فقال : حين ولدت يا شيخ أديب لم يعرك أحد اهتمامه فلقد كان احتفال أهلك بإخوتك أشد اهتماما" منك .
ولكني أقول ولله الحمد ، أن السيد الوالد قد رفع ذكر العائلة، في تعليمه وعلمه وعمله : وظهر من هذا المولود الذي لم يعره أحد اهتماما" ولادته الخير الكثير ، والنفع العميم لأبناء الأمة وخصوصا" طلبة العلم وبذلك يشهد تلامذته، ومحبوه، حتى صار أخوته دائما" يحبونه، ويلجؤن إليه في حاجاتهم واستشاراتهم ، ويعاملونه كالأب الحنون لهم ، حيث كان يصلهم ، ويبرهم ويسأل عن أحوالهم .
وكان وسط أولاده وأحبابه ، يظهر أدبه معهم الذي تخلق به ،وتطبع به ، حتى صار أدبه علما" عليه فصار يقال عنه : هذا الأديب أديب ، وانتشرت هذه الصفة في أقرانه ، وأشياخه يصفونه بالأدب .
الوالد حفظه الله بالنسبة للوضعية العائلية لأسرته وأقاربه، ولازالت إلى الآن ، دون الوسط ، ولكن بحمد الله محترمون بين الناس الذين يشاركونهم السكنى في القرية ، بل إن الناس من غير الأقرباء ، يلجؤون في بعض أمورهم ومشاكلهم لرأيه ، واستشارته حبا" منهم له ، وثقة بعلمه وأدبه وبره وصلته.
في السنة الثامنة عشره من عمره ، تزوج الشيخ بنت عمته وهي من القرية وعاشت معه فترة سبع أو ثماني سنين .
- وولدت له الابن الأكبر ، الشيخ عبد الباسط ،
- وقد درس في الثانوية الشرعية ونال شهادتها
- وكان مدرسا" في الثانوية الشرعية بعدها ،
- وقد استلم إمامة وخطابة جامع الأنصار ، في العرقوب .
- وقد انتقل الشيخ عبد الباسط إلى رحمته تعالى ، صباح يوم الاثنين 22 ربيع الثاني سنة 1429هـ / الموافق 24 / 4 / 2008م
- وولدت له أيضا" بنتا" اسمها فاطمة.
- ثم ابتليت أم عبد الباسط رحمها الله بألم في المعدة وكانت تقاربه في السن، وقد خطبت له وهو صغير لم يبلغ الحلم على عادة أهل القرى وحيث أبدت رغبتها بالبقاء في القرية .
رغب الوالد وهو في المدينة إن يتزوج حتى تكون حياته أكثر استقرارا".
فخطب الزوجة الثانية وهي : كريمة المرحوم عمر شوا ، الذي كان يضرب به المثل في منطقة (بانقوسا) بالشهامة والرجولة ، وكانت هذه البنت هي وحيدة لأمها ، حيث خطبت من قبل أناس أغنياء ،ولكن والدها السيد عمر رحمه الله، عندما خطبها الوالد قال كلمة دلت على شهامته وحبه للدين والعلم وقال : أنا سأزوج ابنتي للعلم والدين .وتزوجها السيد الوالد حيث أنجبت له ست ذكور وهم :
- محمد أبو الفضـــــــل
- الدكتور أحمد بدر الدين
- يوسف عز الديـــــــن
- عبــــــــــد اللــــــــــه
- وكاتب هذه السطور محمود
وأربع بنات هن :
- سناء
- وفيقة
- نبيهة
- سكينة
محمد أبو الفضل : درس سنتين في الخسروية ثم أكمل دراسته للبكلوريا العامة ثم توظف لدى دائرة الأوقاف وهو الآن بفضل الله يعمل بتعهدات البناء .
الدكتورأحمد بدر الدين : داعية وخطيب بارز في البلد، وهو الآن المفتي العام للجمهورية العربية السورية .
يوسف : درس في الثانوية الشرعية أيضا".
محمد فاتح: درس الثانوية العامة وهو يعمل في سوق المدينة في الأقمشة.
أما عبد الله ومحمود : تخرجا من الثانوية الشرعية ، وهما إمامان وخطيبان يعملان في الدعوة إلى الله بحمد الله وقد أجاز الشيخ أولاده جميعا" بمروياته ، شفهيا وخطيا .
وكل أولاد الشيخ بفضل الله أخذوا أدبه ومعاملته مع الناس بالحكمة والتعفف والنزاهة الشيئ الكثير والحمد لله .
وقد تربى الأولاد من الزوجة الأولى والثانية ، في بيت واحد وأسرة واحدة بفضل صدق السيد الوالد وتعلقه بالله ، وبأشياخه في التربية ، فقد كانت حياته الأسرية تكاد تكون خالية بحمد الله من المشاكل ، التي تحدث في الأسر، بفضل تقويمه للاعوجاج بالحكمة والموعظة الحسنة ، التي أتاه الله إياها.
(ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا)
يحدثني أخوتي وأخواتي ، عن حياة الوالد العائلية، لفترة طويلة ، كيف كانت ، حيث أني أصغرهم :
كان استيقاظ السيد الوالد قبل منتصف الليل أو في منتصفه وكان استيقاظنا عند صلاة الفجر حيث يذهب الشيخ الوالد إلى المسجد ، ثم يعود بعد طلوع الشمس ، ليتلقى الأولاد جزأ من القرآن أو درسا في الفقه ، أو الحديث ، أو النحو ، أو التوجيه ، حتى تحين ساعة توجه الشيخ إلى المدرسة للتدريس.
وأحيانا يكون ذلك بعد الساعة العاشرة صباحا ، إذ كانت دروسه في المدرسة صباحية .
والجدير بالذكر أن الشيخ الوالد كان يدرس في ثلاثة مدارس شرعية:
- الكلتاوية ذكورا"وإناثا،
- والخسروية ذكورا" .وإناثا،
- والشعبانية ذكورا".
وكانت تبلغ حصص التدريس في اليوم الواحد أكثر من عشرة دروس لأن الدوام كان في المدارس من الصبح إلى العصر .
المنشأ العلمي :
التحق سيدي الوالد بالمدرسة الشعبانية أولا مدة سنة ونصف , ولم تكن منظمة بل كان يحضر الدروس خارجها , والشيخ الأول له هو : الشيخ الشهيد , من أهالي صرمدا , وكان رحمه الله في الإسماعيلية إماما ,يدرس من يأتي إليه رحمه الله , رحمة واسعة,فقد كانت مدة دراسته علية, نحو السنة , فاستفاد من خلقه وتواضعه , ودرس عليه : مبادئ الفقه والنحو والصرف .
ومن ثم التحق بالمدرسة الخسروية – وقد خرجت قبل دخوله فيها صفين – وكان في الصف السادس , وهو في الأول , الشيخ سعيد المسعود رحمه الله تعالى رحمه واسعة , فكان ذلك فيما أظن في عام (1930) , درس فيها سنين على أساتذة كرام أعلام وهم :
1- الشيخ أسعد عبه حي رحمه الله تعالى , درس عليه الفقه الشافعي في السنة الأولى والثانية وأصول الفقه في الصف الخامس والسادس , والنحو في الصف الثالث .
2- الشيخ راغب الطباخ رحمه الله تعالى , درس عليه الحديث في الصف الثاني , والشمائل في الصف الثالث .
3- الشيخ عبد الله حماد رحمه الله تعالى , درس عليه النحو , في الصف الأول والأخلاق , والصرف.
4- الشيخ أحمد تيجي المدني وابنه عبد الحميد رحمهما الله تعالى , درس عليهما التجويد في الصف الأول والثاني , والتلاوة.
5- أبو السعود الكيالي رحمه الله تعالى , درس عليه الرياضيات , والجغرافيا .
6- الشيخ سعيد أدلبي رحمه الله تعالى , درس عليه الفقه , في الصف الثالث .
7- الشيخ إبراهيم السلقيني رحمه الله تعالى , درس عليه النحو , في الصف الثاني , وكان بكاء" خاشعا.
8- الشيخ عمر المارتيني رحمه الله تعالى , درس عليه الفقه , في الصف الرابع و الخامس والسادس .
9- الشيخ أحمد الشماع رحمه الله تعالى , درس عليه التفسير , من الصف الرابع إلى الصف السادس .
10- الشيخ عبد المعطي , درس عليه الفرائض.
11- الشيخ فيض الله ألكدي , درس عليه العقيدة , في الصفوف كلها .
12- الخطابة....
وهناك أساتذة الفقه الحنفي , كالشيخ أحمد الزرقا رحمه الله .وكان الأثر في المجتمع من هؤلاء , للشيخ سعيد أدلبي , أولا والشيخ أحمد الشماع و للشيخ إبراهيم السلقيني.
الرحلة في طلب العلم :
لم يهيئ له السفر إلى مصر , أو غيرها لإتمام الدراسه , للموانع الكثيرة , ولكن بحسب ما وضعه الله تعالى في قلبه من محبة العلم ثابر على المطالعة والمراجعة والتدريس العام المجاني في جامعي حمزة بك , وأسامة بن زيد وغيرهما نحوا من خمسين سنة .
التربة الروحية:
من الله تعالى على السيد الوالد , وهو في بداية طلبه للعلم , أن أخذ الطريق , على الشيخ أبي النصر الحمصي , طيب الله تعالى ثراه , وواظب على ورد السادة النقشبندية سنين طوالا , فأفاده ذلك أثرا كبيرا في المثابرة على العلم , والبعد عن السفا سف , وبعد وفاة الشيخ أبي النصر قدس الله روحه , التحق بالمريد الأول عنده الشيخ محمد النبهان وكان معه كما كان مع الشيخ أبي النصر وأكثر , وذلك لأن الشيخ أبا النصر كان يأتي إلى مدينة حلب , في السنة مرة أو مرتين , أما الشيخ النبهان فكان معه ملازما أكثر من عشرين سنة حتى انتقل إلى رحاب الله تعالى .
سكن في حمزة بك مايقارب خمس عشرة سنة ، وبقي إماما لجامعها(22) سنة ،وحيث لم تكن المدارس قد فتحت ، وكان هناك الكتاب ، وكانت المدرسة لفترة عشرة سنين ، وكثيرا ما يأتي بعض الناس من منطقة حمزة بك ، وما حولها وقد صاروا أصحاب وجاهة وغنى . يقولون : أنا ختمت القرآن عند فضيلة الشيخ ، وقد كان فعلا" مثالا" للشيخ المعلم ، فقد كان يصحب تعليمه بالتوجيه ، والوعظ ، والتربية الحسنة.
ثم أنتقل من مسجد حمزة بك إلى مسجد أسامة بن زيد ، وكان له الفضل الكبير في فرش الجامع و مده و إنارته ،و ذلك لما ناله من ثقة الناس ،الموسرين ،الذين عرفهم و عرفوه صادقاً مترفعاً أميناً و متنزهاً عن أموال الناس ، فوضعت الأموال بين يديه ، يوجهها في سيبل الخير و بناء المساجد بدءاً من مسجد أسامة.
و قد برزت عنده وجهته لعمارة المساجد ، حيث كان يحث على بنائها ، ويقول إنه ذكر مخلد ، حسن لصاحبه، يبقى ذكر صاحبه ما بقي ويقول : المساجد مصابيح الله في الأرض ، كما النجوم مصابيح السماء ، ويساعد ويوجه في بنائها وإصلاح ما خرب منها وما كان فيها من أخطاء ، ويشهد لذلك أيضا" لجان جمع تبرعات المساجد في إكمال مايجمعونه في جامع أسامة من أموال وكان يقول :
ويقول: لو أن أحدا" أعطاني مائة ليرة ، بينت له أين وضعتها ويقول دائما": ذخر العالم وكنزه تعففه عما في أيدي الناس .
ويعلم الله أن الشيخ قد مرت به ظروف معاشيه سيئة ،من حيث الاقتصاد ، ولكن عفته ونزاهته وترفعه ، جعلت الناس يحبونه ويخدمونه ، وجعله يقنع بما أتاه الله ويرضي أهله عنه ، وعن وضعه ، وكان ممن ينطبق عليه قوله تعالى :
(يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف )
وفي خلال السبعينات ، كنت قد أينعت . في هذه الفترة .
- شكلت جمعية الفرقان الخيرية من أناس خيرين ، أحبوا ولده الشيخ أحمد بدر الدين ، والتفوا حوله لنشاطه في الدعوة والخير ،حيث كان الشيخ أحمد إماما" وخطيبا" لجامع الفرقان ، والذي أمره بذلك الشيخ النبهان قدس الله سره ورحمه بأن يكون أماما" وخطيبا" فيه .
- وشكلت الجمعية الخيرية وكان السيد الوالد رئيسا" فخريا" لها ، وكان من قبل عضو ا في اللجنة الثقافية في جمعية النهضة الخيرية ، ولفترة كان رئيس اللجنة ، ويحضر على رأس الجلسات الثانوية ،التي ينتخب فيها أعضاء الجمعية ،ومنتدبيها وكان نتاج هذه الجمعية :
- روضة للأطفال .ومشغلا" للبنات وتدرس مع المهنة المواد الشرعية وبعض المواد الكونية.
- ومدرسة شرعية للذكور ، بقيت ثلاثة سنوات ، وكم كان الشيخ يأمل ويتمنى لو يسر له افتتاح مدرسة شرعية وفعلا" فتحت المدرسة وصار الشيخ حفظه الله يرعى فيها الطلاب في جامع أسامة .
- وبالإضافة للدروس العلمية الشرعية والكونية ، كانت له جلسة معهم لسحب الورد النقشبندي ، الذي يقول عنه حفظه الله أن له أثرا" كبيرا" في حياة طالب العلم ، فالورد مع العلم يجعل طالب العلم منورا" ،يسهل عليه تطبيق ما تعلمه إذا انفتح قلبه وتيقظ مع الله، ولكن شاءت الأقدار الإلهية والحكمة يعلمها الله ، وأنا أقول : أنها مما ابتلي به الشيخ وامتحن ، أن تغلق هذه المدرسة ، وأن يكون إغلاقها حجرة عثرة في طريق جهاده الذي بدأه في العلم ، ثم تابعه في تعليم طلاب الثانوية الشرعية ، وكان يريد ويرغب في أن يكون له معهد يربي طلابه حتى وأساتذته على ما تربى عليه ونشأ من تذوق وفهم لأسرار العلم ، وتذوق وحب لأسرار الورد ، اللذان يوصلان صاحبهما إلى المحبة الإلهية ، والولاية التي هي طريق وسبيل كل داعية مخلص، محب يغار على دينه وأمته، وعقيدته ورغم هول الواقعة وشدتها على نفس الشيخ الوالد إلا أنه في نهاية الأمر بعد سعي وجهد شديدين لإعادة المعهد وافتتاحه سلم الشيخ الأمر لله وقال:
نحن أردنا أن نخدم ونتعاون ولكن شاء الله عز وجل وأراد ونحن رضينا بحكمة. وأشهد بالله أن قال وعيونه تدمع وأحس بأسى قلبه:
( أنا راض بالذي يرضى به لي من لو قال مت ما قلت لا )
وقال:
( أنا راض بالذي ترضونه )
ولكن سير الشيخ الجهادي والدعوي لم يتوقف، هذا السير الذي كان، والذي نقول عنه في الجهة الثانية، جهة أبناء الأمة، من غير طلاب العلم، مع كون الشيخ كان مدرسا"، في المدارس الشرعية، ولكن كان خطه الثاني لا يتوقف، ولا يميل فيه، ولا يكل، إلا عن مرض، أو سفر، وهو تدريسه في المساجد، في كل يوم، أكثر من درس، وقد ضوعفت هذه الدروس بعد تركه التدريس، في الثانويات.
وكان ذلك في الثمانينات، حيث جاوز الشيخ حفظه الله الستين من العمر فظهرت عليه أثار مرض الذاتية في صدره ونصحه الأطباء ومن حوله بتخفيف الدروس في المدارس الشرعية، لأن أعباء التدريس شاقة، وظهرت عليه أوائل هذا المرض في صدره حين كان في الأربعين من عمره لكثرة الكلام والدروس، وكان يقول لنا كنت أجهد نفسي في الدرس حتى أتقنه، ولم أكن أشعر بالمرض لأني شاب.
ويحدثنا عن نفسه فيقول:
لم أكن أشعر بالمرض لأني شاب، والشاب فيه القوة والحيوية، وخصوصا" أن شبابه كان متميزا" بالعلم، والتعليم، يضاف إليه الورد النقشبندي الذي كان يقول عنه السيد الوالد: إنه يعطي دفعا"، وحرارة وحيوية، في نفس الذاكر وقوة في قلبه، لا يجعله يشعر بتعب أو ملل.
ونعود فنقول إنه ترك التدريس في المدارس الشرعية، ليتوجه إلى المسجد. الذي كانت منه انطلاقة السلف الصالح فكانت له دروس أسبوعية أذكر منها:
- درس السبت في جامع قارلق بعد العصر.
- درس في الكلتاوية في الفقه والحديث لأحباب الشيخ النبهان ومن حوله يوم الاثنين والأربعاء على ما أذكر، مع تدريسه لطلاب العلم.
ولقد قرأنا عليه كتبا" عديدة حيث كان الإخوة من طلاب العلم كبارا" وصغارا" إناثا" وذكورا يأوون إليه ليتقووا في المواد الشرعية وأذكر من الكتب والمواد التي قرأت عليه:
1- الفقه الشافعي:
- الإقناع
تنوير القلوب
جزآن من المجموع للنووي.
شرح ابن قاسم على فقه أبي شجاع
فتح العلام، للجرداني.
2- الحديث:
- صحيح البخاري أكثره.( وقد أخبرنا أنه قرأ لنفسه فتح الباري في شرح صحيح البخاري مرتين أو أكثر .)
- رياض الصالحين.
- وهدي الساري للقسطلاني .
- شرح صحيح مسلم للنووي.
- كما قرأنا عليه كتاب التاج
- وقسما" من كتاب الأذكار.
3- مادة النحو:
- قرأنا عليه في عدة كتب منها شرح شذور الذهب.
- وقطر الندى.
4- العقيدة:
- شرح الصاوي على الجوهرة
- تنوير القلوب قسم العقيدة.
- فتح العلام للجرداني قسم العقيدة.
5- في السيرة:
- نور اليقين.
6- التصوف:
وقد كانت أكثر دروس العلم التي يقرؤها يتضمن هذا العلم
وكان من الكتب التي قرأها عليه الطلاب .
- إيقاظ الهم وقد قرأ أكثره لطلاب علم هم الآن في مراكز الإدارة والتوجيه.
- وقرأ: المنن، والعهود، للشعراني .
ولكم رأينا أخلاق هذا الكتاب، وأثاره تظهر على تصرفات شيخنا، حفظه الله، وكلماته، وأحواله، لشدة تأثره بالشيخ الشعراني.
وأخبرنا أنه قرأ كثيرا" من الكتب لنفسه، في الفقه، والسيرة، والتصوف, والحديث، والنحو، والعقيدة، حتى إنه لما كان طالبا"، كان يقرأ إضافة إلى دروسه في المدرسة، يطالع دروسه التي أخذها في كتب ومراجع أكبر، من الكتب المقررة آنذاك، وينصح طلاب العلم بذلك، حتى ترسخ الأبحاث عندهم حفظا"، واتقانا"، وتقريرا".
ولا أنسى أنه قرأ الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي رضي الله عنه، بل قرأ أكثر كتبه المطبوعة، وكان يقرأها ويتخلق بها ويتذوقها عملا" وتحققا".
والجدير ذكره، أنه طالع وقرأ الكثير الكثير من كتب التفسير، والفقه، والأصول، والمصطلح، وغير ذلك من كتب العلم المشهورة، لدى طلاب العلم الشرعي.
- وحين يكون هناك درس عام، أو لطلاب العلم، يكون هناك مذاكرة لبعض الأحباب الذين يلازمونه في المسجد، أو يأتون إليه بعد انتهائهم من العمل، حيث يحثهم الشيخ دائما" على جعل المسجد، هو البيت الثاني للمؤمنين، فبعد أن ينتهي الإنسان من عمله، أو وظيفته، يأتي إلى بيته قليلا"، ثم إلى المسجد ليقرأ، ويتعلم، ويخلو بنفسه ويحث على الازدياد دائما" من العلم.
ويقول:
طالب العلم كلما ازداد علما ازداد معرفة بحاجته إلى العلم أكثر، وقد قال تعالى :
(وقل رب زدني علما)
ويقول:
العلم يلصق العبد بربه .
ويحثهم على أن لا تكون مجالسهم مجالس غفلة، ومزح وغيبة، ويحذرهم من الجلوس في الأندية والطرقات، والأمكنة العامة، دون حاجة ويشير، إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم:
لأحب البقاع إلى الله المساجد وأبغض البقاع إلى الله الأسواق.
- وهناك أيضا"، دروس للنساء في يومي الأحد والثلاثاء وهذا الدرس الثلاثاء بعد العصر يحدثنا عنه فيقول:
أمرني الشيخ النبهان قدس الله روحه بالرحمة بأمر مباشر منه، وقد استأذنته في تركه قبل وفاته فلم يأذن لي ، وقال لي:
ياولدي، يا شيخ أديب ، الناس ينتفعون منك، والمرأة فيها العاطفة ، فإن استفادت المرأة وتعلمت دينها، وأخلاقها ، وواجباتها، استطاعت أن تكون مثال المرأة المسلمة، في تربيتها لأولادها، وفي إدارة بيتها.
وهذا الدرس صار له الآن خمس وعشرون عاما"، أكثر من ألف امرأة،. وهناك والحمد لله قسم خاص للنساء في مسجد أسامة، فيه يحضر النساء كل يوم، من التاسعة حتى الثانية عشر يتعلمن، الفقه، والحديث، والقرآن، حتى الأميات، يتعلمن التلاوة، والكتابة، ويشرف على ذلك أخوات رباهن الشيخ ، في مسيرته العلمية الطويلة، في جامع أسامة، منذ عشرين عاما" أو أكثر، وهن بحمد الله يستطعن أن يوفقن بين عملهن في البيوت، وبين هذا الدوام اليومي للعلم، والتعليم حيث يأخذون رضا أزواجهن ، والحمد لله على ذلك كله.
يضاف إلى ذلك كله خدمته لحملة القرآن ،فلقد فتح حلقات لتعليم القرآن الكريم في مساجد المنطقة الشرقية من مدينة حلب من عام ( 1973 إلى عام 1985) كان يدعمها ماديا و يوجهها . وكان سببها أنه أدى حجة في عام (1973) فرأى رجلا هنديا قد افتتح حلقات قرآن في المسجد الحرام والمسجد النبوي، وسره ذلك المنظر الرائع فلما عاد، بدأ بذلك من جامع أسامة بن زيد، ثم أمتد ذلك إلى كثير من المساجد خصوصا في الحارات الشعبية وما شابهها.
وأما يوم الجمعة وما أدراك ما يوم الجمعة في مسجد أسامة، فله مزيته، وخصوصيته، وبهجته.
- يبدأ يوم الجمعة من مساء يوم الخميس بمجلس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقراءة دلائل الخيرات.
- وينصرف الناس بعدها إلى بيوتهم، ليأتي بعض أحباب الشيخ قبل الفجر إلى المسجد للتهجد.
- ويؤذن الفجر، وبعد الصلاة يقرأ الورد الصباحي، وهو ورد يومي، بعد صلاة الفجر، كل يوم يقرأ في مسجد أسامة، بحضور الشيخ ، رغم تقدمه في السن, ويجلس إلى طلوع الشمس، غالبا"، يقرأ: سورة يس، وجزءا" من القرآن والختم النقشبندي.
- ويضاف في يوم الجمعة إلى الورد الصباحي قراءة الدرس الذي فيه من أحوال الصحابة وأخلاقهم وحياتهم.
- وأذكر أنه كان له وقفة لمدة سنين، مع حديث:
البر: حسن الخلق،
والإثم: ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس.
يفسره ويعتمد في درسه على كتاب: التاج في تفسير هذا الحديث وما يتبعه من أحاديث الأخلاق.
- وبعد الدرس لمدة ساعة تقريبا يكون الختم النقشبندي، وبعده سورة يس وأحينا سورة الكهف بشكل جماعي.
- وبعد طلوع الشمس يذهب الشيخ إلى بيته ليرتاح قليلا.
- وقبل صلاة الجمعة بساعتين، يبدأ الأحباب بالتوارد إلى المسجد، لسماع المذاكرة، في التوجيه الخلقي، والتربوي، الذي يطلب من المسلم، في حياته اليومية، يعتمد في هذا الدرس على كلام الأولياء، وتوجهاتهم في السير إلى الله، في هذه الحياة المادية، ويغلب على الحاضرين كونهم من التجار، والوجهاء، وبعض المثقفين من أصحاب الشهادات.
- حتى إذا أذن المؤذن للجمعة نزل الشيخ فخطب الجمعة وهو قد ترك الخطبة والإمامة لكاتب هذه السطور ( ولده محمود).
- وما يكاد يؤذن عصر يوم الجمعة، حتى ينزل الشيخ إلى المسجد، فيؤدي صلاة الجماعة، ليجلس بعد العصر ليقرأ جزأ من القران، وهذا شأنه كل يوم جزء بعد صلاة الفجر، وجزء بعد صلاة العصر.
- وقبيل المغرب بساعة تقريبا"، يبدأ توارد الأحباب من جديد إلى المسجد، ليكون لهم لقاء جديد ، مع فضيلة الشيخ، ويغلب على الحضور (الشباب ) ليستمعوا من خلال جلسة، روحية عظيمة، إلى حكم ابن عطاء الله السكندري التي قال عنها أبو العباس المرسي:
(لو جازت الصلاة بغير القران، لجازت لحكم ابن عطاء الله)
بأذواقه، وحبه ومخاطبته، للجالسين بلسان الرحمة، والمحبة والعلم والفهم, ويصول الشيخ ويجول بهذه الروح المحبة، في هذه المعاني الرائعة، في تقريبها للأذهان، وفي ضرب الأمثلة وأشهد بالله أنه: أحيانا" يلبس حال الشيخ ابن عطاء الله، للجالسين في هذه الحكم حتى يشعر الجالسون بأنهم في روضة من رياض الجنة حقا"، مما يحملهم على تطبيق كلام فضيلته بسهولة على أنفسهم وواقعهم، ولقد حدثني الكثير منهم خصوصا من الشباب المؤمنين الذين عركت التجارب الحياتية بعضا منهم يقولون: والله لكأننا في مجلس من مجالس السلف والتابعين، بل إننا في المجلس، نسينا هموم الحياة، وجعل سيدنا همنا" متعلقا" بالله وتحقيق مرضاته عز وجل، والتقرب إليه سبحانه.
- ويؤذن المؤذن لصلاة المغرب ، وبعد الصلاة هنالك مجلس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم الذي يشدوا فيه المادحون بمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالتوسل والمدح للذات الإلهية، ويعلق الشيخ أحيانا" على بعض الكلمات ، والأناشيد، بالإيضاح، والتصحيح، والفهم السليم، ومن توجهاته للمنشدين أنه يقول لهم دائما": قولوا القصائد والأناشيد التي ليس فيها الدعاوي، ولا تقولوا القصائد التي تحدث فيها قائلوها عن أنفسهم بل قولوا القصائد التي تتحدث عن حقيقة أنفسكم من تقصير وذل وعبودية لله أو قصائد فيها ذكر شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم والحث على اتباعه.
وهكذا يتوجه إلى كل الناس رضي الله عنه بأن يعرف كل إنسان حقيقته ويقول:
من ذاق عرف، ومن لم يذق فضحته دعواه.
- فإذا ما انتهى المولد قام الناس يذكرون الله، قياما"، والشيخ يغمض عينيه، يوجههم بقلبه، حقيقة تشعر أنك في مجلس من مجالس السلف الصالح ,ولكنه في توجيهاته يوجه إلى الذكر النقشبندي القلبي ويقول عنه:
من لا ورد له، لاوارد له.
-يصلي الناس العشاء في الجماعة، ويصعد الشيخ إلى غرفته .
- أما أخلاقه في أيام الأسبوع ولياليه:
فما بالك بأخلاق رجل،قضى عمره في العلم، والتعلم، والتجارب الحياتية، بابه مفتوح للناس في كل وقت، فمنهم صاحب فتوى، ومنهم صاحب الحاجة، يقضيها، أو يوجه إلى من يقضيها له، مع بسمة لاتفارق شفتيه، وترداد لقائل : ( رضينا بما الله يرضى لنا...) فإذا أصابه ما يزعجه أو يؤلمه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل و لا حول ولا قوه إلا بالله .
تصعد إليه في غرفته، تجده إما قارئا"، أو مطالعا"، أو كاتبا"، أو ذاكرا"، أو مصليا".
وفي غرفته، في الجامع مع زوجته الثالثة يعيش يومه، وهي كريمة الحاج أحمد نحاس ، تخدمه، ولها منه ابنتين، رضوا ،ومروة، يربيهما التربة الإسلامية، الصحيحة، كما ربى بناته الخمس، السابق ذكرهن، بالرحمة، والشفقة، والتوجه الصحيح، يربي الصغيرة،كما الكبيرة، على الستر والتأديب والكلام الحسن، والحجاب السابغ.
ينادي كلا" بما يحب من الاسم ، فيقول: ياسيدي فلان، ياأخ فلان ، أو يا حاج، أو ياشيخ، أو يا أبا فلان ، ينادي أولاده الكبار بأبي أديب، وأبا عصام، أبا الفضل ، والشيخ محمود، والشيخ عبد الله ، وبناته بأم محمد وأم عبد السلام ، وزوجته بأم عبد الباسط ، وأم عبد الله.
يقول لأولاده : أنا أقوم لكم لأنكم طلاب علم ، فينبغي أن تقوم لأخيك المسلم ، ليزداد حبه ، ومودته لك، فكيف أنت باحترامك وأدبك مع طالب العلم ، لم أسمع له طوال حياتي _وكذلك إخوتي يخبروني_ كلمة نابية ، مع أهل بيته ، بل إن انزعج من أمر ، أو ساءه أمر، قال لهم أصلحكم الله، لم عملتم كذا.
يحث من حوله، من أحباب وأقارب على حفظ المجالس، وفي الأعياد والمناسبات العائلية ، لايكاد يخلو مجلس من مجالسه من نصيحة أو توجيه، أو تقويم، ويقول:
مجلسك يظهر شخصيتك.
ينهى عن المزاح ويقول:
مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن فيه مزاح وهو الأكمل، ويحث في مجالسه على التمثل بالشريعة، حيث يبعد الإنسان بالتمسك بالشريعة عن المشاكل .
ويقول: كان شيخي النبهان يقول دائما":
ياولدي عليك بالشريعة، فإنها تحفظك، وتحفظ منك , لذلك أقول: لا يكاد يكون هناك أي مشكلة في العائلة .
يحث أولاده دائما على التمسك بالشريعة ، ويقول : أنا في قلبي مؤشر : فكل من يخالف الشريعة منكم ينفر قلبي منه، ومن يكون منكم متمسكا بها يحبه قلبي ، ويستدل على ذلك من أفعاله وكلامه.
ويقول أحيانا": قلبي مبرمج بالفطرة يحب ويكره ليس بإرادته، بل حسب صلاح المرء، وقربه من ربه ،وهذا دليل على عمارة قلبه بالذكر والحب الإلهي.
إما في معاملاته مع الناس:
فهو في التواضع، والكلام اللين والسهل ، والخلق الحسن لا يفاصل إذا أراد أن يشتري شيئا"، ويعطي زيادة، ويقول: يجب على المشايخ أن يظهروا بالكرم والشهامة.
ولا يقابل أحدا بما يكرهه، يعرض بالمخالفات تعريضا"، ولا يواجه صاحبها، بل قد يدعها في المجلس الذي حدثت فيه، ثم ينبه إليها في مجلس أخر ، كل ذلك لفرط أدبه وحضوره مع الله، ويقظته وفهمه وعلمه.
ولا ننسى أدبه مع أشياخه ومدرسيه في أول سيره العلمي .
ويقول:
من فضل الله علي أن أشياخي توفاهم الله وهم راضون عني .
وكذلك أخلاقه مع أقرانه من أهل العلم والفضل يحبهم لا يذكر أحدا منهم إلا بالتعظيم. فيقول فضيلة الشيخ فلان, والشيخ فلان حفظه الله , والشيخ فلان قدس الله روحه بالرحمة ورضي عنه، يسأل عنهم ويصلهم ويواسيهم.
أصيب أحد أولاد شيخ من أقرانه فهتف له بالهاتف يواسيه فبكى وتأثر كثيرا"، وهكذا شأنه مع إخوانه إذا أصيب أحدهم أو توفي.
وأقول حقا: فالمرء قوي بإخوانه، فإذا فرح لفرحهم، وإذا حزنوا حزن لأجلهم. وهذا خلق من أخلاق النبوة.
أما عباداته:
فكما قلت أنفا" لايترك التهجد أبدا"، منذ منتصف الليل ، أو بعده، بقليل.
ويحدثنا عن شبابه فيقول:
حينما كانت طالبا"، نتسابق أينا يستيقظ قبل رفاقه في المدرسة، ليكون له ثواب إيقاظهم، ولايوقظهم حتى يكون قد صلى ركعات، يتخفى بعبادته حتى لا يدخله رياء. ورده النقشبندي ، وصل إلى حد ثلاثين أو خمسين ألفا"في كل يوم ( الله ، الله) في القلب، وكم كان يحث على هذا الورد، ويتكلم عن أثاره، ونتائجه ، في الحياة العلمية ، والعامة، على السواء،وأثره، وسببه الكبير في إزالة الهموم، وتعليق القلب بالله . لا يترك صلاة الجماعة إلا عن مرض أو إجهاد شديدين .
لا يترك الأذكار خلف الصلوات ويحث عليها حثا" شديدا"
ويقول:
إن لها أثرا" في طرد الوساوس والشياطين، ورزقها حسي ومعنوي.
ويشدد علينا فيها ويقول:
لاتتركوها فأنتم طلبة العلم ، يتأسى الناس بكم ، فإذا رأوكم تساهلتم في أمر ، تساهلوا فيه، فكنتم سببا" في تعطل حكم من أحكام الشريعة، سنة كان أم فرضا".
ولا يبتغي بذلك أجرا" إلا إرضاء الله عز وجل، وخدمة عباد الله انطلاقا" من قوله صلى الله عليه وسلم:
(الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله)
فالنافع لا يقتصر على المال والطعام بل يتعدى ذلك إلى التعليم والإرشاد , ومن عباداته تعليم الناس، في كل يوم ووقت .
ومن منهجه في التعليم وهو ما ينفع ويفيد كثيرا أنه يضرب الأمثلة ليسهل الفهم على بعض الناس حيث يفهم حديثه كل طبقات الناس وشهد بذلك سامعوه وملازموه. وقد شهد له شيخه النبهان بذلك حيث قال له : ( لقد أوتيت فتحا في العبارة ). ويقول حفظه الله عن ذلك : لقد اكتسبت ذلك من قراءة كتب الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي كالفتوحات وغيرها .
بعد صلاة العشاء بقليل، يطالع ثم ينام باكرا"، حتى يستيقظ باكرا"، وهذا ما حث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( بورك لأمتي في بكورها )
هكذا كان ولا يزال، حفظه الله، جهاد لنفسه بالأوراد، والصلوات، والمطالعات، والكتابات، وجهاد فيه في الناس تعليما"
الآثار العلمية:
1- أول رسالة كتبها في أعمال الحج , كتبت بشكل يستفيد منه العموم , أفعل كذا , لا تفعل كذا , وأتبعها برسالة علمية تبين كل حكم من أحكم الحج , مع دليل باسم إرشاد الطائعين لزيارة البلد الأمين.
2- رسالة الأخوة الإسلامية وحقوقها كتبت بسبب منافسة بين إخوة في الإيمان .
3- رسالة أوراد الصباح وهي مرتبة بما ورد في الصباح , من الأذكار من الآيات والأحاديث , وهي منتشرة وجيدة .
4- التفسير الأنيق لسورة يوسف .
5- التفسير المنير . لسورة يوسف , الكهف , يوسف , يس, الواقعة , تبارك , وجزء عم .
6- رسالة جيب . فيها ستون حديثا لما يحتاجه الإنسان في سفره وتصرفاته .
7- ثلاث أجزاء تفسير : تبارك , وقد سمع , والذاريات .
8- مختصر المجموع في الفقه للإمام النووي ( قسم العبادات ).
9- مختصر العهود المحمدية للشعراني بما يتلاءم وزمننا , وهو كتاب نفيس للتوجيه إلى الخير .
10- مختصر الأذكار : للنووي , اقتصر فيه على أصح ما رواه في بابه ولم أذكر الضعيف .
11- شرح الحكم لابن عطاء الله السكندري.
12- النوافح المسكية من الفتوحات المكية . أبحاث منتقاة مفهومة يسيرة فيها علم وحكمة.
13- رسالة الأوامر والنواهي القرآنية. افعلوا , لا تفعلوا .
14- اللؤلؤ والمرجان في سيرة سيد بني الإنسان .
15- ترجمة شيخنا النبهان قدس الله روحه , وفيها شيء عن شيخنا أبي النصر قدس الله روحه .
16- العقيدة الإسلامية .
الرحلات :
1- كانت أول رحلة للحجاز : أرسلت بعثة , ووفقه الله تعالى للقيام فيها بالتعليم على وجه حسن , و مدير الأوقاف إذ ذاك جاء يسلم عليه وقال له بيضت وجوهنا ... والفضل لله تعالى , وكانت رحلاته إلى الحج فيما أظن ثماني رحلات , وللعمرة ضعفين أو أكثر .
2- رحلته إلى مصر : مرتين , ولقي فيها شيخ الأزهر المرحوم الشيخ عبد الحليم محمود , وطريقته شاذلية , وأخذ عنه ذلك , ولقيت السيد محمد زكي إبراهيم , صاحب مجلة المسلم .
3- رحلته إلى تركيا : ثلاث مرات ، ولقي أكابر علماء استانبول.
4- رحلته إلى المؤتمر الإسلامي في الجزائر وألقى كلمة عن التصوف ، وصلته بالإسلام .
5- رحلته إلى المؤتمر الإسلامي في ليبيا .
6- رحلته إلى العراق بصحبة شيخنا محمد النبهان .
إجازات الطريق :
1- أجازه شيخنا محمد النبهان .
وأجازه الشيخ عبد الباسط بن شيخنا أبي النصر وكتبا له إجازة ممهورة بتوقيعهما ،وأمراه بالسير على منهج السالكين .
2- وأجازه شيخنا محمد بن قائد التلمساني الجزائري ، في الطريق الشاذلي وأذن له في إعطاء أورادها ولكنه ، لم أعط أحد إلا على الطريقة النقشبندية.
وهذا كله لا يفيد عند الله تعالى ، إنما المفيد صدق العبد مع ربه وإخلاصه في أعماله والله شهيد على ذلك .
أما محنه التي تعرض إليها:
فقد جرد من وظائفه مرتين: المرة الأولى في الخمسينات والثانية في منتصف الثمانينات حيث جرد من وظيفته برفع الجهة الدينية عنه بقرار من رئاسة مجلس الوزراء، وتوقفت نشاطاته العلمية في تدريس أبناء الأمة شهورا" ثلاثة، كان الشيخ يتألم فيها.
ولما علمه الله من إخلاصه، وغيرته على العلم، ومجالسه، ورياضه، يسر الله له من رغب إليه في إعادته إلى دروسه، وعدم توقفها، ولو بدون وظيفة رسمية، وتابع نشاطه العلمي والحمد لله، في تدريس التصوف، والفقه، والحديث، والتفسير، والوعظ .
ولا يخلو درس من دروسه العلمية، من توجه خاص من لدنه حفظه الله إلى الناس، حتى في دروس الفقه، والأحكام، يوجه، ويرشد، ويصحح بفهمه، وهذه طريقته الخاصة قديما، حتى في دروسه لطلاب العلم في المدرسة، وقد حدثني بذلك أكثر من تلميذ له أنه كان من شأنه أن يستعمل التوجيه والإرشاد في مثاني تقريره للأحكام وشرحه للأحاديث لفظا ومعنى، ويحث على التطبيق والتحقيق، والذوق السليم، ويغلب ذلك على دروسه كلها وقد تأثر تلامذته بذلك أيما تأثر.
وتعرض رضي الله عنه في سنواته الأخيرة ، لأمراض أثقلت بدنه حيث أجريت له عملية جراحية.
وعلى ذكر الكرامات، حدثنا الأطباء في خلال التخدير، أنهم تعجبوا من شدة نبضات قلبه، وانتظامها، وعدم نزول الضغط، أو ارتفاعه، حتى أنهم لم يحتاجوا إلى تخديره كليا" بل خدر تخديرا" موضعيا" في مكان العملية، ولما سألوا عن ذلك، وتبينوا أن سببه من كثرة الذكر ودوامه، وقف أحدهم عند رأسه بعد إخراجه من غرفة العمليات من أثر التخدير الجزئي وتلا الطبيب قول الله عز وجل:
( أن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة )
و دمعت عيناه، وقال لنا حافظوا على الشيخ، وانتفعوا به واكسبوه حتى لا تندموا.
الكرامة:
الكرامة عنده قدس سره الاستقامة حيث يقول:
لا كرامة للبعد عند الله إلا باستقامته على الأمر والنهي،( الذين آمنوا وكانوا يتقون) من هم ؟
هم أصحاب الكرامة الحقيقية، هم الأولياء حقا , لقد ظهرت الاستقامة في حياته، في كل مناحيها، أسرية، اجتماعية، اقتصادية، سياسية، وفي نزاهته، وعفته، وتطبيقه للشريعة.
أما الكرامة بمفهومها الخارق للعادة فكان يقول:
الكمل من الأولياء يستترون من الكرامة كما تستتر المرأة في حجابها، ويعدونها من حظوظ النفس فلا يطلبونها حتى يظهرها الله على أيديهم بخلاف الأنبياء فيطلب منهم إظهار المعجزة بل يظهرونها دون طلب لأن فيها التحدي والإعجاز.
و كان من طرائفه في مجالسه، أنه يتحف الجالسين ببعض القصص، والنكات التي لا تخلو من التوجيه والإرشاد يستقيها من حوادث السيرة، وقصص أهل الله، خصوصا إذا جلس مع نساء العائلة، من بنات، وبناتهن، وأولادهن، وزوجات الأولاد، فلهن خطاب خاص، وتوجيه خاص، عبر قصص وحكايات (يحكي قصة وافق شن طبقة، أبي زرع ) ويسأل عن أحوالهن وأحوال أولادهن وله عناية خاصة في تربيتهم جميعا، والشفقة والعطف والرحمة، ظاهرات أشد الظهور.
مرض أحد أولاده عدة مرات فقام يصلي ويبكي ويدعو له.
مرض أحد أولاده ليلا" فبادر إلى الطبيب وجلب الدواء مع وجود الأخوة.
إذا سافر أولاده سفرا" طويلا"، يستقبلهم بالدموع، ويودعهم بالدموع، ويقول حتى لا يستشكل أحد في ذلك : أنا أب والأب صاحب عاطفة. وأقول: أجل العاطفة، إذا صحبها خلق حسن، ورحمة من الله زادت ونمت.
يسأل عن أحفاده، ويحث على تربيتهم تربية صالحة، ويتابع أخبارهم بنفسه، في تمسكهم بالشريعة خصوصا .
ويقول : أنا مسؤول عنكم جميعا" كل من هو من ذريتي، يحض صاحب المخالفة الشرعية حتى يتوب إلى الله منها أمامه، وكل ذلك متعلق بقوله تعالى:
(قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ).
ورسول الله صلى الله عليه وسلم حث على مودة قرابته كما قال الله تعالى:
كلها أخلاق لابد أن تطبقها أولا في عائلتك، وأقاربك، قبل الناس، فهم أحق بذلك من بقية الناس، ثم الناس بعدهم، يركز على ذلك كثيرا في توجهاته لأحبابه، وأي خلاف يحدث بينك وبين أحد، فالمرجع في حل الخلاف، هو كتاب الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويقول ويردد دائما" مشيرا" إلى الشريعة وإلى محبة الله ورسوله:
أهيم بليلى ما حييت وإن أمت أو أكل بليلى من يهيم بها بعدي
وعندما يطلب منه تخفيف الدروس لعارض ألم به من مرض أو ما شابه ذلك، قال لمانعيه:
لا تمنعوني فأنا لا عمل لي إلا هذا، وأن الله لم يأخذ مني شيئا" حين وهبني العلم، فأنا أهبه كما وهبته.
هل يستطيع أحدكم الاستغناء عن ماله أو عمله؟
وهذا رأس مالي وعملي.
وشأنه شأن كل الكمل في أواخر حياتهم، يقتصر عملهم على المكان الذي هم فيه، دون مغادرته إلا لحاجة، فلا عقود، ولا حضور مناسبات إلا ما هو ضروري لذلك، وهناك بحمد الله من أولاده من ينوب عنه، وقد تفهم أكثر الناس وضعه الصحي، وهم يتمنون دائما" ما يجعله مرتاحا" مسرورا" دون إحراج.
نصيحته إلى طلبة العلم وأبناء الأمة :
العلم ميراث الأنبياء ، والوارث يجب أن يكون على قدم موروثة، ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم والعمل والأخلاق فمن أراد الله تعالى به خيرا سلك به طريق رسوله صلى الله عليه وسلم .
( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)
( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )
وهكذا لو أننا تتبعنا التاريخ لوجدنا أن الرجال الذين حفظ الزمان أسماءهم هم أتباع الرسل قالا،وحالا، صدقا ، وأمانة، وزهدا، وبعدا عن كل ما يشين العلم وأهله ، ويسئ إلى الدين وذويه .
فيا أهل العلم وطلابه ، عليكم بالقدوة العظمى ، عليكم بالتأسي بالمعصوم المنزه ،اجعلوا العلم طريقا إلى الله ورسوله ، وحذار أن يكون حظكم من العلم ، الدنيا وأهلها ، فتكونوا كما قال الله تعالى :
(واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه .) الآية
فانظروا رحمكم الله تعالى في قوله:
(ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه)
أي أحب الدنيا ومن ذلك مشيه مع هواه ، أي أنه تمنى نصر الكافرين على نبي الله موسى عليه السلام .
فيأهل الإسلام ، أيها المسلمون : اتبعوا علماءكم الثقات في دين الله ، المدافعين عنه الناصرين له ، الذين تؤيد أفعالهم أقوالهم ، الذين قال تعالى عنهم :
( أنما يخشى الله من عباده العلماء )
اطلبوا العلم جميعا لنصرة الدين ، وللخروج من الجهل ، وسلوا الله أجركم .
وفاته :
توفي رحمه الله ليلة الاثنين 28/6/1429 الموافق لـ 2/6/2008 ودفن بعد صلاة العشاء في جامع أسامة بن زيد .